الهدر في المطعم: كيف تحسبه بالدينار وتقلّله خطوة بخطوة
كل كيلو يُرمى في المطعم دفعت ثمنه مرتين: مرة للمورد، ومرة في وقت الطباخ والغاز والكهرباء. والهدر لا يظهر في أي فاتورة، فيبقى رقمًا مجهولًا حتى تقيسه. هذا المقال يبدأ بالقياس، لأن ما لا يُقاس لا يتحسن.
الهدر: مال اشتريته ثم رميته
تعرّف منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) هدر الطعام بأنه نقص كمية الغذاء أو جودته بسبب قرارات وتصرفات تجار التجزئة ومقدّمي خدمات الطعام والمستهلكين. أي أن المطعم، بحسب التعريف نفسه، أحد الأماكن الثلاثة التي يحدث فيها الهدر.
وبحسب تقرير مؤشر هدر الأغذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (٢٠٢٤)، أُهدر في العالم عام ٢٠٢٢ نحو ١٫٠٥ مليار طن من الطعام، منها ٢٨٪ في قطاع خدمات الطعام، أي نحو ٢٩٠ مليون طن. وفي بريطانيا، تقدّر منظمة WRAP أن قطاع الضيافة والمطاعم يرمي قرابة خُمس الطعام الذي يشتريه.
أما في العراق، فقد قاست دراسة منشورة عام ٢٠٢٣، شارك فيها باحثون من جامعة تكريت ووزارة الزراعة، الهدر في ١٨ مطعمًا، وقدّرت أن المطعم العراقي «المتوسط» يهدر نحو ٢٥ طنًا من الطعام سنويًا. والعيّنة صغيرة وجُمعت في أيام قليلة عام ٢٠٢١، فلا تعاملها كمتوسط وطني، لكنها تكفي لتقول إن المسألة ليست صغيرة.
من أين يأتي الهدر؟ ثلاثة مصادر
في مراجعة WRAP لقطاع المطاعم والضيافة البريطاني توزّع الهدر على ثلاثة مصادر، وهي تقسيمة مفيدة لأي مطعم لأنها تخبرك أين تبحث:
- هدر التحضير (٤٥٪): القشور والزوائد وقطع اللحم غير المستعملة، والكميات المحضّرة زيادة عن الحاجة.
- التلف (٢١٪): مواد انتهت صلاحيتها أو فسدت في المخزن والثلاجة قبل أن تُستعمل.
- بقايا الصحون (٣٤٪): ما يتركه الزبون في صحنه.
والنسب تختلف من مطعم لآخر. ففي الدراسة العراقية المذكورة كان الجزء الأكبر من الهدر من صحون الزبائن، خصوصًا في مطاعم المطبخ الشرقي التقليدي، وكانت أهم الأسباب: طلب أكثر من الحاجة، والحصص الكبيرة، والمقبّلات والإضافات المجانية. لذلك لا تفترض النسبة، بل قِسها في مطعمك.
احسب الهدر بالدينار
الهدر بالكيلو لا يكفي، لأن كيلو خبز ليس ككيلو لحم. حوّله إلى دينار بسعر كلفة كل صنف، ثم قارنه بمشترياتك:
| نسبة الهدر | في الشهر | في السنة |
|---|---|---|
| ٥٪ | ٧٨٧٬٥٠٠ | ٩٬٤٥٠٬٠٠٠ |
| ١٠٪ | ١٬٥٧٥٬٠٠٠ | ١٨٬٩٠٠٬٠٠٠ |
| ١٥٪ | ٢٬٣٦٢٬٥٠٠ | ٢٨٬٣٥٠٬٠٠٠ |
مثال افتراضي للتوضيح: مطعم مشترياته من المواد ١٥٬٧٥٠٬٠٠٠ دينار في الشهر، كما في مثال قائمة الدخل الكاملة. هذا ما يكلّفه الهدر بنسب مختلفة:
كل خمس نقاط من نسبة الهدر في هذا المثال تساوي قرابة ٩٫٥ مليون دينار في السنة، تخرج من صافي الربح مباشرة. وتذكّر أن هذه أرقام توضيحية: نسبتك الحقيقية لا تعرفها إلا بالقياس.
أسبوع القياس: ابدأ بلا أجهزة ولا برامج
تحتاج أسبوعًا واحدًا وميزانًا وورقة. والفكرة أن تفصل الهدر حسب مصدره، لأن علاج كل مصدر مختلف:
- ثلاث حاويات بأسماء واضحة: «تحضير» و«تلف» و«صحون»، في المطبخ وعند منطقة غسل الصحون.
- الوزن آخر كل وردية: يُوزن محتوى كل حاوية ويُكتب قبل رميها.
- سجل بسيط: التاريخ، والوردية، والمصدر، والوزن، والأصناف الأكثر ظهورًا، والسبب إن كان معروفًا.
- التحويل إلى دينار: في نهاية الأسبوع اضرب الكميات في سعر الكلفة، واجمع.
والقياس وحده يغيّر السلوك. ففي تقرير مبادرة Champions 12.3 عن ١١٤ مطعمًا في ١٢ دولة، كان قياس الهدر ومتابعته من أول الإجراءات، وانخفض هدر المطبخ في المتوسط ٢٦٪ خلال السنة الأولى، ووفّرت المطاعم في المتوسط ٧ دولارات مقابل كل دولار أنفقته على البرنامج.
تقليل هدر التحضير
- وصفة مكتوبة بالغرام لكل طبق: الطباخ الذي يحضّر «على كيفه» يهدر في التحضير وفي الحصة معًا. وشرحنا ذلك في تسعير قائمة الطعام.
- قائمة تحضير يومية من المبيعات المتوقعة: كم سيخ وكم كيلو صلصة لهذا اليوم بالذات، لا «الكمية المعتادة».
- استفد من الزوائد: عظام للمرق، وخضار للشوربة، وطبق يومي من مكونات يجب أن تُستعمل اليوم، ووجبة للفريق.
- درّب على التقطيع: فرق مردود الكيلو بين طباخ وآخر قد يصل إلى عدة مئات من الغرامات في اللحم.
تقليل التلف: الوارد أولًا يُصرف أولًا
أبسط قاعدة في المخزن وأكثرها إهمالًا: الوارد أولًا يُصرف أولًا (FIFO). ويعرّفها قانون الأغذية الأمريكي (FDA Food Code) بأن الدفعة التي حُضّرت أو خُزّنت أولًا هي أول ما يُباع أو يُستعمل. وعمليًا:
- ضع البضاعة الجديدة خلف القديمة لا أمامها، ولا تخلط علبة جديدة بباقي علبة قديمة.
- اكتب على كل وعاء محضّر اسمه وتاريخ تحضيره. ويحدد قانون الأغذية الأمريكي لهذا النوع من الأطعمة الجاهزة سريعة التلف حفظًا لا يتجاوز ٧ أيام عند ٥ درجات مئوية أو أقل، مع احتساب يوم التحضير.
- توصي منظمة الصحة العالمية بتبريد الطعام سريع التلف، ويُفضَّل دون ٥ درجات مئوية، وبعدم ترك الطعام المطبوخ في حرارة الغرفة أكثر من ساعتين، وبإبقاء الطعام الساخن فوق ٦٠ درجة حتى التقديم. وتنبّه إلى ألا يُخزَّن الطعام مدة طويلة حتى في الثلاجة.
- سجّل حرارة الثلاجات صباحًا ومساءً، فالثلاجة التي تعطلت ليلًا تكلّفك مخزونها كله.
- لا تطلب أكثر من حاجتك: كمية الطلبية تُحسب من الاستهلاك الفعلي، كما في مقال المشتريات والموردين.
تقليل هدر الصحون
صحن يعود نصفه إلى المطبخ رسالة من الزبون، لا مجرد هدر. اقرأ الرسالة:
- راقب ما يعود: أسبوع واحد تكتب فيه الأطباق التي تعود بقايا منها يكشف لك أين الحصة أكبر من اللازم.
- راجع حجم الحصة: حصة أصغر قليلًا لا يلاحظها الزبون أحيانًا، لكنها تُلاحظ في تكلفة المواد.
- المجاني عند الطلب: الخبز والمخللات والسلطة المجانية تُرمى غالبًا كما هي. قدّمها لمن يطلبها، أو بكمية أصغر مع إمكانية الزيادة.
- علبة للبقايا: اعرض على الزبون أخذ ما تبقى. يقلّ الهدر، ويتذكر الزبون الخدمة.
- نصف حصة أو طبق للمشاركة: لمن يطلب كمية أقل، بسعر يحفظ هامشك.
الهدر الذي لا تراه: فرق الجرد
ليس كل ما يختفي من المخزن هدرًا مسجّلًا. حين تقارن ما يجب أن يكون في المخزن، بحسب المشتريات والمبيعات والوصفات، بما هو فيه فعلًا، يظهر فرق لا يفسّره سجل الهدر: حصص أكبر من الوصفة، أو أخطاء استلام، أو أحيانًا سرقة.
فرق صغير ثابت طبيعي، أما فرق يكبر كل أسبوع في صنف غالٍ فهو أول ما تبحث فيه. وتجد طرق الكشف في مقال سرقة الموظفين في المطعم.
سجّل الهدر حيث تسجّل البيع
الورقة تكفي للبداية. لكن بعد أسبوع القياس ستحتاج أن يتحول الهدر إلى رقم أسبوعي ثابت أمامك، مع سببه، بجانب المبيعات وتكلفة المواد، لا في دفتر منفصل يُنسى في درج المطبخ.
خطوات هذا الأسبوع
- ضع ثلاث حاويات بأسماء «تحضير» و«تلف» و«صحون»، وميزانًا بجانبها.
- سجّل الوزن آخر كل وردية لمدة سبعة أيام.
- حوّل الكميات إلى دينار، واحسب نسبة الهدر من مشتريات الأسبوع.
- اختر المصدر الأكبر، وطبّق إجراءين فقط من هذا المقال.
- كرّر القياس بعد شهر، وقارن.
والأرقام الافتراضية في هذا المقال لتوضيح الحساب فقط. والهدف ليس صفرًا، فبعض الهدر لا مفر منه، بل أن تعرف رقمك وتراه ينخفض أسبوعًا بعد أسبوع.